كتابة المقالات تأمّل كتابي

المسيح، صورة الخالق، وتجدد الإنسان

تأمّل في خلع الإنسان القديم والتجدّد على صورة الخالق، حيث يعيد المسيح تشكيل الفكر والكلمة والعلاقات من الداخل.

  • الكتاب المقدّس
  • التجدّد
  • الحياة المسيحيّة

“أَمَّا الآن فأَلْقُوا عَنكم أَنتم أَيضًا كُلَّ ما فيه غَضَبٌ وسُخْطٌ وخُبْثٌ وشَتيمة. لا تَنطِقوا بِقَبيحِ الكَلام ولا يَكذِبْ بَعضكم بَعضًا، فَقَد خَلَعتُمُ الإِنسانَ القَديم وخَلَعتُم مَعَه أَعمالَه، ولَبِستُمُ الإِنسانَ الجَديد، ذٰاك الَّذي يُجَدَدُ على صُورَةِ خالِقِه لِيَصِلَ إِلى المَعرِفَة.”

في كولوسي 3: 8–10 يعتمد الرسول بولس لغة حاسمة ومباشرة، كأنّه يضع المؤمن أمام قرار لا يقبل التأجيل، فيتحدّث عن ما ينبغي أن يُلقى جانبًا. التحوّل لا يكتمل بإضافة الفضائل فقط، بل يبدأ أيضًا بخلع ما لم يعد ينسجم مع الحياة الجديدة.

يعدّد بولس مجموعة من السلوكيّات التي تنتمي إلى الانسان القديم: الغضب، السخط، الخبث، الشتيمة، الكلام القبيح، والكذب. هذه ليست مجرد أخطاء عرضيّة، بل تعابير عن منطق حياة متمركز حول الأنا، حيث تتحوّل الكلمة إلى أداة أذى، والعلاقة إلى ساحة صراع. لذلك لا يطلب الرسول “التخفيف” منها، بل التخلّي عنها. الفعل المستعمل واضح: اخلعوا.

لكن هذا الخلع ليس فعل حرمان، بل فعل تحرّر. ففي مقابل ما يُطرح جانبًا، يفتح النص أفقًا جديدًا: لبستم الإنسان الجديد. هذا الإنسان لا يُبنى على إنكار الجسد أو محو الشخصية، بل على إعادة تشكيل الكيان من الداخل. هو إنسان في مسيرة تجدد دائم، لا يعود إلى الوراء بل ينمو “على صورة خالقه”. هذه الصورة ليست فكرة مجرّدة، بل علاقة حيّة تُستعاد وتُشفى وتُعمّق.

والمعرفة التي يقود إليها هذا التجدد ليست معرفة ذهنية أو تراكم معلومات دينيّة، بل معرفة وجوديّة، معرفة تنشأ من القرب، من السير مع المسيح والاتحاد به. إنها معرفة تُبدّل النظرة إلى الذات، وإلى الآخر، وإلى الله. فالمسيح هو صورة الخالق المنظورة، وفيه يتضح ما يعنيه أن يكون الإنسان إنسانًا كاملًا. كلما تشكّل الإنسان الجديد على مثاله، انكشفت الحقيقة العميقة للهويّة البشريّة.

هكذا لا يكون التجدد مجرّد إصلاح أخلاقي، بل مسيرة تشبّه بالمسيح، حيث يُعاد ترتيب الفكر، وتنقية القلب، وتحرير الكلمة. في هذا المسار، ينحسر الإنسان القديم تدريجيًا، لا بالقمع، بل بسطوع نور الحياة الجديدة التي تنمو يومًا بعد يوم.

ويأخذ هذا الكلام معناه الكامل حين يُترجم في تفاصيل الحياة اليومية. فالإنسان الجديد لا يظهر في اللحظات الاستثنائية فقط، بل في ردود الفعل الصغيرة: في طريقة الكلام عند الغضب، في اختيار الصمت بدل الشتيمة، في الصدق حين يكون الكذب أسهل. خلع الإنسان القديم يحدث كل مرّة نمتنع فيها عن كلمة تجرح، أو عن تصرّف يولّد انقسامًا، ونختار بدل ذلك مسار الحياة.

كما يتجلّى التجدد على صورة الخالق في أسلوب علاقتنا بالآخرين. فالمعرفة التي ينمو فيها الإنسان الجديد تصبح بوصلة داخليّة، تُنير الضمير وتُهذّب الرغبات، وتربط الإيمان بالفعل اليومي. هكذا، في البيت، في العمل، وفي العلاقات، يُعاش المسيح لا كشعار، بل كحضور يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الإنجيل حياةً مرئيّة. وقد تبدأ هذه المسيرة اليوم بخطوةٍ واحدة: أن نستبدل، في أوّل لحظة غضب تواجهنا، كلمة جارحة بكلمة صامتة أو لطيفة.

كتابة روحيّة

هل لديك موضوع روحي يحتاج إلى المساحة التي يمنحها المقال الكامل؟

أخبرنا عن الموضوع الروحي، ومن تريد الوصول إليه، وما الذي ينبغي أن تحقّقه المقالة.

ابدأ محادثة